30.jpg

مقالات

البركة

البركة

بقلم: عبد المطلب الوحيشي

عندما تَغنّى أبناؤها قائلين: "خوذيلك بركاوي خير" .. لم يكن أحداً منهم قد بالغ .. وعندما ترنم "البنغازيون" بلازمة "بخونا بشراب البركة"، لم يخنهم التعبير في الفخر .. فالمكان يخبرك بكل أثر .. والزمان يحدثك بكل خبر .. والتاريخ يفتح كتابه لتقرأ كل أمر، فالحي وأهله كان دثاراً "ليوسبيريديس" .. وملح "برنيق" ومتنفس المرفأ والميناء.

قبل الميلاد نما "السيلفيوم" في جوانب الحي .. ونضجت أشجار التفاح الذهبي في روابيه .. من الإغريق إلى البطالمة .. من بيزنطة إلى الفتح الإسلامي .. إلى العثمانيين والقرمانليين والأتراك .. إلى الغزاة والمستعمرين .. من الطليان والأنجليز .. إكتست "البركة" عند أطراف "السبخة" وشاحها المميز وأضحت علماً وشاهداً.

فاقرأ ما بين دفتي المدينة .. لتعلم أن الحي موسوم من حكايات التاريخ التليد .. ويمم شطر الشوارع والأزقة .. سيطل القصر وشرفاته، من "السيلس" مروراً "بالسوسي".

تمهل في الخطوات لتتحسس عن يمينك في مقبرة الصحابة آثار "سيدي داوود" وعبق "الأنصار" .. ستعلم أن المكان يكتسب بركته من الصالحين والأولياء .. من "سيدي عبدالجليل" و"سيدي بوسديرة" .. من اللوح والدواة والقلم .

من الستين حزباً .. من مزامير الذكر في المحراب .. في جامع "هدية"، وجامع "بوغولة".

وابدأ الخطى أنى شئت .. من مدخلها من شمالها أو الجنوب .. من أي جهة أحببت .. من"العلوة" و"مقطع الحداد"، من "الطيرة" و"بومدين" .. من "البركات" و"العرفية" .. من مداخل "بوقعيقيص" و"بن صويد" و"بوشاقور"، من جدران المساكن في "بوراوي" و"العيساوي" و"عبدالمطلوب"، من "الدنقير" .. من حيطان "الفقي يونس" وسقفان "المقاصبة" و"بوشعالة" .. من غبار "الكاروات" .. من "الطاحونة" و"الهدار" و"بن شتوان" .. من "الداقدوستا" .. من "سانية خليل" .. و"سانية بوزعيك"، من "الكنيسة" و"الريمي" .. من بيت الوالي .. من "السوق القديم" .. من "المركز" .. إلى باب الإذاعة .. إلى أعتاب مبنى البريد .. في مكتبة "الأندلس" .. بين محطة الحافلات .. من موقف "العربيات".

إستمر في تجوالك .. فليس لك إلا أن تقف مندهشاً لتقرأ الضاد في مدارس "الساقزلي" و"المكحل" و"اسميو" و"بالة"، ولتعلم أن بداية رحلة الألف والباء كانت هناك، بين جدران "البركة" مكث رجال الخير ..وهناك كان رجالات الدولة .. يُراجع "حامد الشويهدي" مناهج وزارة "المعارف" .. ويمهر "الطايع" توقيعه .. ويكتب الأستاذ "بازامة" تاريخ الوطن .. ويُقر "الشيخ معتوق" حِفظَ طلبته .. ويقف الأستاذ "نجيب بوقرين" في باحة المدرسة مزهواً.

من هناك كان أثير الإذاعة يعلن (هُنا بنغازي) .. تنصت إلى "رجب الشيخي"، و"فرج الشويهدي" .. و"إبراهيم سواني" .. تأتيك نسائم فصحى "محمد المهدي"، ويضفي صوت "عبداللطيف المدولي" ألقاءاً خاصاً .. وينقلك "عمران عامر" إلى باحة الطب وأهله.

من قبل الميلاد وبعده .. من الشوارع وقاطنيها، من عراقة أعيانها وأهلها .. من تعابير الوجوه، من وشمات العجائز .. من سُمرة الفاتنات .. من الأضرحة والشواهد .. من اللحن والنغم .. من الفن والرياضة .. من الدروب والطرق .. من الأقبية والقباب .. من "الحقيقة" وكتابها .. من الأدباء والشعراء .. من قطرة العرق النبيل .. من مقارعة الطغاة .. من القِدم والعراقة، من خوارق العادات والأساطير .. من كل هؤلاء ترتسم فسيفساء "البركة".

في "الحميضة" .. تحط مياه "وادي القطارة" بعضاً من رحالها .. وتغطي طيور "الخليش" و"السمان" عين السماء .. تتزين "البياصا" .. فيتناثر حولها باعة الصحف والجرائد .. وتصحو "النافورة" كل فجر على رائحة "الفول" و"الحمص" من "شوالات" العجائز.

في الأعياد والمواسم ينهض الحي .. يحمل صبية وبنات الحي سفر "الكعك والغريبة" إلى "كوشة طقطق" و"كوشة بن شتوان" .. و"كوشة بوختالة" .. وهناك يختفي "القنان في العين" .. تكون لحلويات "طرخان" و"بووذن" مذاقاً خاصاً .. ولا يكاد يخلو محل أو متجر من مشروبات معامل "بومدين".

ييرز مصوراتي "البيجو" .. وينتشي "هندام" كالعادة .. ويستقر المقص والمشط في يدي "سي حسن بوشعالة" أمام كرسي الحلاقة .. يفرغ "سي رجب سكليستة" للتو من إصلاح "تراشيكلو" .. ويُكمل "سي عبدالسلام المقصبي" بخط النسخ ملصقاً ’خر، بينما يُنهي "سعدون" لوحة جديدة.

هنا يُنهي "سويدة" كما يحلو للبركاويين مناداته، من كتابة "لو كان ريح العون" .. ستسمع "دلال الغيطة" .. وستطرب عندما تتردد في أذنيك "بالحيله دوم بلاحيله" .. في مقهى "سي خليل القوارشة" و"بن غزي" .. يتسامر القوم .. يكون للأدب والفن نصيب .. وتستأثر أخبار الكرة بالنصيب الأوفر .. ينقسم الحي بين "الطليعة" و"الأهلي".

في ملعب 24 ديسمبر تتصدر مواهب أبناء "البركة" المشهد .. من "شارلوت" و"حفيظة" .. من "صدقي" و"العمامي" .. من "الهوني" و"القوبو" إلى رفاق "فوزي" .. في الصالة الرياضية، مكان "سينما الإنجليز" .. تدور منافسات المصارعة والملاكمة .. وستشهد رواد اللعبة .. لا تخطئ عيناك "سي عبدالسلام بالرحومة" و"عبدالسميع مخلوف" و"كشلاف" و"سي محمد البسيوني" .. سترى "جقرم" و"الشلماني" و"الوداوي" و"الفار" و"عياد – هولك" .. تستهويك السلة والطائرة .. وستصفق "لميلود" و"المقصبي".

في "البركة" مكث الوطن بأكمله.
في "البركة" كانت بساطة الكلمات وعفوية المفردات.
في "البركة" تبينُ حنطية وجوه "البركاويين" عن حَمِيةِ "الرياس" .. ومروءة "عيال البلاد".
في "البركة" كانت "الفزعة".
في "البركة" هوت كتيبة الصنم.
في "البركة" تضرجت "كوة الملح" بدماء الأبرار.
في "البركة" كان الهوى والعشق!

والآن .. عندما يتذكَّر المرؤ "البركة" وأهلها .. يسيل الدمع ويخفق القلب مردداً:

ياعين قجي دمعتك ميــــــزاب
دونك أوهام الغاليين انهالـــــي
رميت النظر ماريت فيكن والي .. اليوم يامكانات العزاز خوالي

اللثامة - سلة فواكه وخضار بنغازي

اللثامة - سلة فواكه وخضار بنغازي

بقلم: فرج غيث

1

أسس الإغريق مدينة (هيوسبريدس) وهي مدينة بنغازي الحالية التي استمدت اسمها الأول من حدائق هيوسبريدس الأسطورية، واحتلت حيزاً هاماً في الميثولوجيا الإغريقية، واعتبرت في التاريخ القديم من عجائب الدنيا، وألهبت خيال الشعراء والمؤرخين الذين نسجوا الكثير من الأساطير حولها وحول البحيرة التي كانت آلهة الجمال فينوس Venus تسبح فيها، و(هيوسبريدس) تعني حدائق التفاح الذهبي، وقد أُنشئت في 525 ق.م، فوق مرتفع من الأرض التي تعرف باسم (مقبرة سيدي عبيد) ومع مرور الزمن نمت وامتدت نحو الجنوب الشرقي بجوار بحيرة السلمانى وهي المنطقة المقابلة لمقبرة سيدي عبيد، ومن المعروف أن هذه المدينة قد بنيت عند الطرف الشمالي في المنطقة الممتدة الآن من اللثامة وحتى السلماني مرورا بمنطقة الزريرعية، (وهي إحدى المدن الإغريقية الخمس التي أسست في شرق ليبيا (قوريني، باركي، طلميثة، توخيرة وهيسبريدس).

اللثامة منطقة صغيرة كانت تقع خارج أسوار مدينة بنغازي من الجهة الشرقية الشمالية، حيث كان مدخل المدينة "فم السور" (مفترق السبيتار الكبير مستشفى الجمهورية الآن)، الباب الذي كان يفصل منطقة الصابري عن مدينة بنغازي القديمة، وكان على الطريق في نهاية سور (السبيتار الكبير) أمام جامع الموتى، كان فم السور به ثلاث فتحات، فتحة كبيرة في المنتصف لمرور العربات (الكاروات والكراريس)، وفتحتان جانبيتان لمرور الأشخاص، وكان فم السور يفتح في الصباح ويغلق عند حلول وقت المغرب.

كانت المدينة القديمة تمتد من مستشفى الجمهورية وحتى ميدان الشجرة جنوباً ومن شاطئ البحر شمالاً حيث الميناء البحري حتى جزيرة جامع بوخشيم الآن ما بين سوق احداش وسيدي خريبيش.

عند دخولك مدينة بنغازي من الساحل الشرقي للمدينة، وانت في طريقك إلى وسط المدينة تظهر لك منطقة صغيرة كثيفة بأشجار النخيل، ويخيل إليك للوهلة الأولى بأنك أمام إحدى مناطق مدينة مصراتة، وتعد اللثامة عبر تاريخها من المناطق الزراعية المتميزة بجودة منتوجاتها الزراعية خاصة الخضروات والفواكه، وعرف عن منطقة اللثامة الجميلة المكسوة بالرمال البيضاء ومنذ زمن بعيد جداً وحتى فترات قريبة كانت سلة خضروات بنغازي، حيث كانت تمد مدينة بنغازي بجميع أنواع الخضروات في مختلف العهود التي مرت بها المدينة الباسلة، ولم ينقطع هذا العطاء إلا في الآونة الاخيرة، خاصة بعد أن توسعت النهضة الزراعية وتواصلت حركتها في كل أرجاء مدن الوطن الحبيب في ستينيات القرن الماضي إنطلاقاً من اللثامة، وكانت من أكثر ضواحي بنغازي إزدحاماً بالسكان، لكنها اليوم أصبحت مكباً لرمي نفايات المدينة، بعدما توسعت الزراعة في كل أنحاء ليبيا.

تمر على أزقة وشوارع اللثامة، والزريريعية (دكاكين حميد) وسوق احداش، أحياء سكنية مكتظة تعتبر جزءاً من حي الصابري الكبير الآن، والذي يعرف لدى سكان بنغازي باسم (عرجون الفل).

تعد اللثامة اليوم إحدى أعرق مناطق مدينة بنغازي السكنية، تاريخها موغل في القدم، سجلت يومياته العديد من الأحداث، لعل أهمها عندما طاب لإحدى باشاوات الإمبراطورية العثمانية وتعرف باسم (فاطمة بنت لاغا) بتشييد قصرها في اللثامة والإقامة فيها، حيث سكنت منطقة المنستيرا قبل حوالي 400 عام.

و(فاطمة بنت لاغا) هي إمرأة حكمت المدينة أثناء العهد العثماني الأول، وشيدت سجناً لمعارضيها في شارع الحشر بوسط المدينة القديمة (البلاد)، ولهذا السبب عرف هذا الشارع بهذا الاسم، هذا الشارع الذي شهد تأسيس نادي الهلال الرياضي الثقافي الاجتماعي في أحد البيوت وهو بيت الراحل مصطفى بوستة رحمه الله.

كذلك من بين الأشياء التي كانت توجد في منطقة اللثامة معسكر خاص بجيش الإحتلال الإيطالي، وكان مكانه على البحر، مكان معسكر الصواريخ فيما بعد، كان هذا المعسكر مكاناً لتجمع المقاتلين الأحباش الذين كانوا يقاتلون ضمن صفوف قوات جيش الإحتلال الإيطالي، في ذات الوقت كان المعسكر نقطة لتجميع الليبيين لأخذهم عنوة إلى الحبشة للقتال ضمن صفوف قوات جيش الإحتلال الإيطالي.

لازلت أذكر تلك الليلة العاصفة والماطرة من شتاء عام 1981م، في تلك الليلة جنحت سفينة تجارية قادمة من بنما على شاطئ اللثامة، كانت تنتظر دورها للدخول إلى رصيف ميناء بنغازي البحري، وأحدث جنوحها فوضى كبيرة في المنطقة تلك الليلة. وبقيت هذه السفينة جانحة على شط البحر حتى نهاية عام 2007م، وما تبقى منها تم تقطيعه عن طريق إحدى شركات الخردة، وقد سلبت هذه السفينة المنكوبة أرواح الكثير من الشباب الذين كانوا يحاولون القفز منها إلى البحر.

يرجع سبب تسمية اللثامة بهذا الاسم إلى (اللثام) وهو الغطاء الذي يوضع على الرأس لإخفائه نظراً لموقع القرية القريب جداً من مركز مدينة بنغازي والخفي عن الأنظار وراء النخيل والأشجار المطوقة للقرية.

لا توجد بها كثافة سكانية مرتفعة كما باقي مناطق وأحياء بنغازي، وجل الأسر المقيمة في المنطقة ذات عراقة فيها ولا يزال عدد كبير منها يعيش في اللثامة حتى يومنا هذا، ولا يمكنهم استبدالها أو الإبتعاد عنها بأي حال من الأحوال (هكذا يقول معظم سكانها)، حتى في أزمة بنغازي الأخيرة لم يغادرها سكانها بالرغم من أنها كانت في مرمى نيران الأطراف المتصارعة.

لجأ إليها سكان المدينة (البلاد) عند إندلاع الحرب العالمية الثانية والتي دار جزء كبير منها على الأراضي الليبية هرباً من الغارات الجوية وعند إنتهاء الحرب عام 1943م عاد سكان المدينة إلى بيوتهم التي لم تتضرر كما تضررت في أزمة المدينة الأخيرة التي شهدت صراعاً دامياً بين أبنائها لأغراض وتوجهات مختلفة.

من العائلات العريقة التي سكنت اللثامة منذ فترة طويلة عائلة بن شتوان، عائلة بالرحيم، عائلة الدالي، عائلة الخضر، عائلة الشيباني، عائلة بودبوس، عائلة بالناصر، عائلة المنقوش، عائلة الشريف، عائلة الفلاح، عائلة الدنيني، عائلة بشورة، عائلة الزهواقي، عائلة المجيبري، عائلة زطاطة، عائلة الطراح.

من أماكن العبادة القديمة في اللثامة جامع الشيباني الذي شيده أحد سكان اللثامة ويدعى مصطفى الشيباني وسجل في هيئة الأوقاف باسم جامع الرحمة ثم جامع عمر بن عبدالعزيز.

توجد في اللثامة الزاوية العيساوية والزاوية العروسية للمدائح النبوية خاصة في أيام الإحتفالات بالمولد النبوي الشريف، زاوية الشيخ محمود بن ناصر شيخ زاوية الفواتير والتي تعرف بزاوية سيدي محمود بن ناصر وزاوية سيدي عبدالعزيز الدنيني، في اللثامة عاش وتوفي فيها سيدي حمد المنقار ودفن عند العلوة بالقرب من شاطئ المنقار.

ومن المدارس مدرسة علي زوبي (مدرسة اللثامة الإعدادية) التي تعتبر أول مدرسة افتتحت في اللثامة وكانت وقتها في بيت كبير تملكه عائلة الشريف تبرعت به ليكون مدرسة، وأطلق اسم الأستاذ علي زوبي وهو من أوائل المعلمين بها، حامل لكتاب الله ومن طلبة الشيخ الصفراني، وكان رحمه الله صاحب مواهب متعددة في حياته، مدرسة الوحدة العربية الإعدادية للبنات التي كانت مديرتها المربية الفاضلة الأستاذة فاطمة احشاد، مدرسة المنتصر، مركز التلمذة الصناعية ومن ثم المركز المتوسط للحاسوب، المعهد العالي لتقنيات الحاسوب، مؤسسة التعهدات التموينية التي كانت متكفلة بتموين الشركات والحقول النفطية، وكانت تعرف بمعسكرات براعم وأشبال وسواعد الفاتح التي تأسست في مدرسة المنتصر سنة 1981م، ثم انتقلت إلى هذا المقر سنة 1982م.

من المراكز الخدمية باللثامة عيادة اللثامة التخصصية العامة التي تقدم خدماتها للمواطنين مجاناً، مصرف الوحدة، إضافة لنادي نجوم الصابري الرياضي الذي يقع ضمن نطاق اللثامة، ونادي الفروسية، سوق الخشب المعروف، وسوق بيع السيارات المستعملة في فترة ما بعد الظهيرة، وسوق الجمعة الشعبي الذي يجتمع فيه الباعة صباح كل يوم جمعة وحتى موعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، ورشة الصيانة ووحدة الكسح ومحطة 7 للصرف الصحي.

من بين الأماكن المميزة في منطقة اللثامة (المنستيرا) والتي تقع على الطرف الشرقي من اللثامة وتعد جزءاً مهماً منها، اشتهرت بمياهها العذبة التي لا تبعد كثيراً عن سطح الأرض، عين ماء نقية كانت في فترات سابقة تمد المدينة (البلاد) بمياه الشرب وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها، وهي المكان الذي يغذي مدينة بنغازي بالخضار والفواكه، بل فنذق الخضار والفواكه الرئيسي كان أغلب منتجاته الزراعية من المنستيرا، كانت مكاناً يباع فيه مشروب (اللاقبي) المعروف، وتشتهر برمالها البيضاء وشاطئ البحر المعروف لدى كل سكان بنغازي.

واللثامة التي تطل على شاطئ البحر، ترمز إلى الشاطئ وهدير البحر وصوت تلاطم الأمواج على الشاطئ وكل أهل بنغازي وخاصة الشباب يعرفون ما معنى شاطئ اللثامة وما يعرف بالمنقار الصغير والمنقار الكبير، وصالتوات البحر، وكلمة (صالتو) في اللهجة البنغازية تعني المكان المخصص للقفز للبحر من خلال حركات رياضية أو بهلوانية، فالكل صغار وكبار من الذين عاشوا بالقرب من البحر ولا يفصلهم عنه إلا رمال الشط تربوا على صيد السمك (الحوت) لأن معظمهم (حواته) ورياسة بحر، والكثير منهم كان فناناً في الغوص واستعمال بندقية صيد السمك (الفيزقة) ورمي (الجولاطينة) وهي نوع من المتفجرات المصنعة محلياً.

اللثامة حكاية شعبية من حكايات بنغازي الجميلة، بكل ما فيها من حب وود وبهجة وفرحة .. كان لدى سكان اللثامة وخاصة من الرجال والشباب خصوصية في مظهره، في لباس قبعة الرأس (الطاقية) ومشيته، تختلف عن رجال وشباب البلاد والبركة.

كادت اللثامة أن تحظى بتنفيذ مشروع البحيرات الشمالية The Nordic Lakes السياحي، وهو جزء من مشروع الشاطئ الشرقي لمدينة بنغازي، هذا المشروع الذي بدأ العمل فيه عام 1981م، ثم توقف العمل فيه وعاد العمل فيه من جديد عام 2007م، ويشمل المشروع حفر بحيرات في منطقة اللثامة وحفر أنهار بين البحيرات لربطها بالبحر وإنشاء فنادق ومقاهي وملاعب للجولف وصالة سينما عملاقة، وينفذ المشروع فوق أراضي منطقة اللثامة بالكامل، وكان المتوقع الإنتهاء من المشروع حوالي عام 2010م، لكن بعد إندلاع ثورة 17 فبراير من عام 2011م توقف العمل بهذا المشروع، وتعرضت العديد من أجهزة ومعدات المشروع للسرقة بعد أن غادرت الشركات المنفذة للمشروع.

اللثامة الآن من الأحياء السكنية العريقة في مدينة بنغازي حيث توجد اليوم شمال مركز المدينة، إذ تبعد عن مركز المدينة بحوالي 3كم، بعد التوسع والزحف العمراني، منطقة تاريخية زراعية وبحرية سبخية، يحدها من الشمال البحر ومن الشرق منطقة بودزيرة ومن الجنوب البحيرات الشمالية، ومن الغرب منطقة الزريريعية (دكاكين حميد)، وتتبع إدارياً منطقة الصابري، وتنقسم اللثامة إلى: 1.اللثامة الغربية. 2. اللثامة الشرقية. 3.المنستيرا. 4.المنقار.

سور مدينة بنغازي

سور مدينة بنغازي

بقلم: محمد العنيزي

بعد هدم مبنى مستشفى (الجماهيرية) سابقاً والذي كان معروفاً لدى الناس باسم (السبيتار الكبير).. ظهر للعيان ماتبقى من سور مدينة بنغازي..
كان هذا الجزء من السور القديم يقع داخل مبنى المستشفى محجوباً عن الأنظار مختفياً خلف سور المستشفى.. ناهيك عن إهمال معالم مدينة بنغازي أثناء النظام السابق وهدم ما تبقى منها.. لذلك ظل تاريخه مجهولاً بالنسبة للأجيال الحاضرة التي لم تشهد حقبة الإحتلال الإيطالي ولم تسمع عنه من الآباء الذين عاصروه..
والحكاية تبدأ من أكتوبر عام 1911 عندما هاجم الأسطول البحري الإيطالي مدينة بنغازي ونزل جنوده في منطقة جليانة وخرج أهالي المدينة يساندهم القادمون من سكان الضواحي واشتبكوا مع القوات الغازية في معركة (جليانة).. كان يوماً مشهوداً دار فيه القتال بالبنادق والسلاح الأبيض من الصباح حتى المساء.. وسالت الدماء حتى تغير لون أكوام الملح في سبخة جليانة إلى اللون الأحمر..
دخل الغزاة.. سيطروا على المدينة الصغيرة ذات البيوت الطينية.. وبدأوا يفرضون سلطاتهم.. ومع بداية عام 1912 طوقوا المدينة بالأسلاك الشائكة منعاً لتواصل الأهالي مع المجاهدين.. وأقاموا التحصينات الدفاعية..
في العام ذاته 1912بدأ سلاح المهندسين الإيطاليين في تشييد سور حول المدينة.. إرتفاعه أربعة أمتار ونصف.. وطوله 3600 متر وعرض حائطه 80 سم.. يتخلله 13 مركزاً دفاعياً صغيراً وقلعتان صغيرتان دفاعيتان مزودتان بمدافع رشاشة.. واحدة في منطقة جليانة والأخرى في منطقة الصابري.. وبالسور خمس بوابات حديدية كبيرة للدخول والخروج من المدينة هي: بوابة جليانة ــ بوابة البركة ــ بوابة الجمالين ــ بوابة الصابري ــ بوابة البحر.. وفقا لما ذكره الصحفي الإيطالي (تيجاني) في كتابه (بنغازي في العقد الثاني من القرن العشرين) الذي ترجمه المرحوم د. رؤوف بن عامر..
تفتح السلطات هذه البوابات الحديدية صباحاً ليمر منها السكان المحليين والقادمين وكذلك العربات التي تجرها الخيول والحمير.. ويتم تفتيش الداخلين والخارجين من البوابات.. وفي المساء مع حلول وقت الغروب تغلق البوابات وتتوقف الحركة.
كانت بوابة الصابري التي تعرف ب (فم السور) أكثر البوابات في حركة مرور الداخلين والخارجين.. خارج هذه البوابة تقع مناطق الصابري ودكاكين حميد والزريريعية واللثامة.. وبجانبها يقع المصلى الخاص بالموتى حيث تمر الجنائز متجهة إلى مقبرة (سيدي عبيد) وقبل دفن الميت تقام عليه صلاة الجنازة في ذلك المصلى الوارد ذكره في إحدى الأغاني الشعبية المشهورة (ودعناك عدي بالسلامة) التي غناها الفنان المرحوم فتحي السور وتقول كلماتها:
ودعته وعدى
في فم السور قدام المصلى
والسواق عطه مايسله
دعوة خير ما فيها ندامة
ودعناك عدي بالسلامة
لم يتبق من هذا السور إلا الجزء الذي اتضح للعيان بعد هدم مستشفى (الجماهيرية) سابقاً.. إضافة إلى جزء آخر صغير خلف سوق الخضار (الفندق البلدي) قرب موقع مصنع شفيق للأردية.. وكل من يتأمل الواجهة الخلفية للسوق (المقابلة لدار الكتب الوطنية) سيرى هذا الجزء من السور واضحاً بتفاصيله.. فهل ستحافظ بلدية بنغازي ومصلحة الآثارعلى هذا المعلم الذي بلغ عمره الزمني 107 أعوام.. وكان شاهداً على حقبة إستعمارية من تاريخ البلاد؟.. وهل سيشهد هذا السور أعمال صيانة وترميم؟.. وهل سيتم رصف الساحة المقابلة له وعمل لوحة من المرمر عليها نبذة تاريخية عن السور وتاريخ بنائه واعتباره أثراً تاريخياً سياحياً أسوة بالشعوب والدول التي تهتم بتاريخها؟

 

نهر الليثون أسطورة بنغازي الغامضة

نهر الليثون أسطورة بنغازي الغامضة

بقلم: زايد هدية

نهر النسيان، نهر الحياة، أو نهر "الليثون"، أسماء عدة لنهر عُرف بأسطورة بنغازي الغامضة. يجري في باطن أرضها منذ الأزل، له مدخل وحيد في منطقة بوعطني شرق المدينة، عبارة عن كهف ضخم تحت سطح الأرض.

وفي قاعه على عمق 50 متراً، بحيرة جوفية ساكنة يمتد منها نهر عجيب يصب على شاطئ، تاركاً في طريقه سبع بحيرات خلابة تخطف الألباب وبها سُميت المدينة قديماً هيسبيريدس وتعني باللاتينية مدينة البحيرات السبع.

أساطير حول النهر

تمتع هذا النهر بمكانة خاصة لدى الإغريق، واعتبرته الأساطير أحد أنهار العالم السفلي الخمسة، وكانوا يعتقدون أنه يجب أن تمر به الأرواح بعد الموت لتتطهر وتنسى آلامها وآثامها، ومن شرب منه نسي كل الحزن الذي مر في حياته.

وكانت تحيط به في الماضي، حدائق هيسبيريدس ، ومنها "حديقة التفاح الذهبي" التي أهداها كي لهيرا بمناسبة زواجها من زيوس، كبير الآلهة عند اليونانيين.

وحرست ثلاث حوريات هذه الحدائق بصحبة لادون، التنين العظيم الذي يملك 70 ألف رأس، وفي كل رأس 70 عين و700 ناب، وينفث ناراً طولها ألف ذراع، تذيب صلب الحديد وتخترق الجبال.

طريق شاق إلى القاع

النزول إلى الكهف المؤدي إلى نهر النسيان يتم عبر سلم حجري تحيط به البساتين. ويتميز الكهف بارتفاع جدرانه، وفي داخله ثلاث مغارات، تنتقل من الأولى لتجد نفسك في الثانية، وهي ذات قبة عالية يقدّر ارتفاعها بخمسة عشر متراً، تتصل بالمغارة الثالثة بممر لا يتجاوز ارتفاعه نصف المتر.

كانت هناك العديد من المحاولات لدخوله ومعرفة نهاية جريانه، إذ يُروى أن أحد الباشوات في العهد التركي ركب قارباً وتوغل في الكهف لمدة ثماني ساعات وعاد من دون أن يصل إلى نهايته.

كما يُروى أيضاً أن عدداً من الجنود الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية استقلوا زورقاً وتوغلوا في الكهف ولم يتمكنوا من العودة.

وتبقى أبرز الزيارات إلى أعماق الكهف، وصولاً إلى النهر العجيب، تلك التي قامت بها بعثة رسمية تابعة لهيئة الآثار الليبية والمكونة من غطاسين وعدد من المرافقين.

رحلة كشف إلى الأعماق

يقول مدير مكتب آثار بنغازي عبد المنعم العمروني في حديث لـ "اندبندنت عربية" حول الكهف والرحلة الاستكشافية "قبل أن نغوص في أعماق التاريخ، لنتحدث عن أهمية المكان قديماً، حيث استغله الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا الأول بعد استقلالها كمكان للاستجمام. وفي تلك الفترة ما بين منتصف خمسينيات القرن الماضي وستينيّاته، زار الموقع باحث إيطالي يُقال إنه ألقى صبغة حمراء اللون داخل مياه الكهف، لتظهر بعد أيام في بحيرات شمال بنغازي الشهيرة على بعد 11 كيلومتراً من موقع الكهف، كتأكيد على أن نهر الليثون هو المغذي لهذه البحيرات في جريانه تحت الأرض".

ثلاث كهوف وما خفي أعظم

أما رئيس وحدة الآثار الغارقة في مكتب آثار بنغازي نجمي عصمان وأحد الغطاسين الذين خاضوا غمار الرحلة المشوقة فيوضح "للوصول إلى المكان، أخذنا درجاً معداً للنزول إلى تحت مستوى سطح الأرض بنحو خمسين متراً، لنواجه أول الكهوف الساحرة الذي يقع على انخفاض نصف متر عقب النزول من الدرج. والدخول إليه يتم بوضع القرفصاء لانخفاض سقف الفتحة، ولم نلاحظ وجود أي نوع من الكائنات الحية سوى نوع صغير من القشريات أشبه بالقريدس، لكنه صغير جداً والمياه على درجة عالية من العذوبة ولم يُحدد حتى الآن المصدر الرئيس الذي تنبع منه".

ويضيف "وصلنا إلى الكهف الثالث على أمل التوغل أكثر في المرات القادمة، وتأمين المعدات اللازمة لذلك، نظراً إلى خطورة الغطس في التجويفات الأرضية".

بعثات سابقة

وحول البعثات العلمية السابقة التي نظّمت رحلات استكشافية داخل الكهوف التي يغذيها نهر "الليثون"، يقول نجمي "هناك بعثة أميركية مكونة من باحثين دخلت إلى المكان في خمسينيات القرن الماضي ولم تخرج بحسب ما يُروى، وهذا ممكن إذا ما أخذنا بالاعتبار أن النهر ممتد حتى عين زيانة وبحيرات بنغازي على 11 كيلومتراً وكلها مرتبطة بسلسلة مائية مطمورة تحت الأرض عبر تجاويف يغذيها النهر العجيب".

إهمال الدولة وجهل الناس

ويشتكي نجمي من الإهمال الذي يحيط بهذا المكان التاريخي، وإهمال استثماره كعامل جذب سياحي. ويضيف "حتى رحلتنا كانت بجهود شخصية وليست رسمية بدعم من الدولة التي لم تولِ المكان عبر العصور ما يستحقه من اهتمام، إضافة إلى إهمال في نظافة محيطه".

وطالب في ظل الظروف التي تعيشها ليبيا حالياً بإقفال المكان للحفاظ عليه من العبث الذي طال أماكن أثرية عدة في ليبيا، فكثيرون من زواره لا يدركون الأهمية الحقيقية التاريخية والسياحية له، وبعضهم لم يسمع بالحكايات المدهشة حول نهر "الليثون".

نهر "الليثون" في الأدب العالمي

اعتماداً على اعتقاد الأولين بأن الأرواح تشرب من "الليثون" لنسيان حياتها السابقة، كان هذا الاعتقاد الأسطوري مدعاةً لأن يحفل الأدب الإنساني بالاستعمال الرمزي للنهر، فورد ذكره في "الكوميديا الإلهية" لدانتي، وفي قصيدة عن الكآبة لجون كيتس، وعمل "دون جوان" للورد بايرون، وقصيدة "النائم" لإدغار آلان بو، كما أن لبودلير قصيدة تحمل اسم هذا النهر.

أما شكسبير، فقد خصه بالذكر في ثلاث من كبرى مسرحياته. وفي الأدب الحديث، نجده حاضراً بقوة في مسرحية "الجمرة" للكاتب الأيرلندي صموئيل بيكيت.
وكتب لوقيانوس السميساطي على لسان الفيلسوف ديوجين في مؤلفه الطريف "مسامرات الأموات"، وهو رحلة متخيَّلة إلى العالم الآخر على طراز "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري أو "الكوميديا الإلهية" لدانتي، أن على الإسكندر المقدوني أن يشرب من نهر "ليثي"، إذا أراد نسيان الأحزان التي سببتها له فلسفة معلمه أرسطو في حياته.

ولعل مختصر القول وأجمله في وصف بهاء النهر الغامض الذي يجمع بين الحقيقة والخيال والأسطورة، ما قاله شاعران كبيران في تاريخ الأدب العالمي، إذ قال الروماني أوفيد "ذراع الليثون تنساب في هدوء... تعلوه الصخرة السفلية من خنادق القصر السحري... تتدحرج من تحته الحصباء... يدعو خريره العذب إلى النوم... ومن خلاله ينحني نبات الخشخاش".

أما الشاعر الإيطالي الكبير دانتي، فيقول في "الكوميديا الإلهية" قسم المطهر، "هناك أسفل مكان لا يُعرف بالنظر، لكنه بخرير جدول يهبط هنا خلال فتحة الصخرة تحته بالجريان دخلت ودليلي ذلك الطريف الحق".

من بنغازي إلى بانكوك

من بنغازي إلى بانكوك

بقلم: محمد الأصفر

سألتني سيدة ركبت إلى جانبي: أنت من أين؟ قلت لها من بنغازي. تأوهت آهٍ بنغازي! إنها مدينة أمي وأبي، وبدأت تحكي عن شوارع وسط المدينة التي أعرفها جيداً، كنت مستمتعاً جداً، وحكيت لها عن الشاعر كليمنتي اربيب، عن المطربة الشعبية بطة، وقالت لي إن جدها كان يعمل إسكافياً في ميدان الحدادة، وكان أبوها يحيك الملابس في سوق الجريد، ومازالت أمها تذكر بنغازي بالخير، رغم خروجها منها اضطراراً. «تركنا بيتنا الصغير قرب المسجد العتيق، وغادرنا في عُجالة، إنها الحرب، كنت صغيرة آنذاك، لكن مازلت أذكر، كيف جرّني عمي- الله يرحمه- بقوة، وأدخلني إلى البابور، كان البابور كبيراً ضخماً، وكانت بنغازي تبتعد عن عينيّ، وصارت تصغر إلى أن اختفت تماماً، وصرت أبكي، نسيت عرائسي القماشية المُبلَّلة فوق سطح البيت، كنت قد غسلتها قبل السفر الفجائي بيوم، ومنحتها للشمس كي تجف» قالت، مضيفة: «مازلنا في البيت نتكلم بلهجتنا هذه، وفي أعراسنا نغني الغناء الذي كنا نغنيه في ليبيا، وغنت لي: يا ليل يا عين.. بين البركة وسيدي حسين.. يا ليل ياعين .. طول السلك يودر إبرة .. وضحكت قائلة إبرة كلمة سمحة ».

أحضرت مضيفة الطائرة طعاماً حاراً أحمر لذيذاً، كالذي نتناوله في ليبيا، التهمناه، وشربنا بعده عصيراً بارداً، وواصلنا سمرنا، وحكاياتنا عن بنغازي، بنغازي الذي قفل مطارها مؤخراً بسبب المواجهات المسلحة، وقفل المطار في بنغازي أجبرنا أن نسافر إلى مدن أخرى بها مطارات كي نرحل إلى خارج ليبيا، مطار بنينة ببنغازي سافرنا من خلاله كثيراً، كنا نترك السيارة أمامه لأسابيع فلا يمسها أحد، رغم صغر حجمه إلّا أن خدماته لا تتوقف.. كان مطار بنينة شاهداً على كثير من الأحداث المفصلية في تاريخ ليبيا الحديث، من حروب وانقلابات وثورات، كانت وظيفته أن يرفع الكائن المعدني وما به من بشر إلى السماء، ثم يخفضه إلى الأرض بسلام.

الشمس بدأت تشرق من خلال زجاج الطائرة، واستيقظنا من غفوة أخذتنا إلى عالم الأحلام، قالت لي رائحتك مألوفة لديّ، وقلت لها: يا لوريتي أنت، ربما لأن طعامنا واحد، أو غناءنا واحد، أو أحاسيسنا واحدة، قالت لي الكلمة الأخيرة صح يا ليد .. أحاسيسنا أحاسيسنا .. فطرنا في الطائرة، وهبطنا بسلام في مطار بانكوك، دخلنا الحمام، خرجنا منه، دخلنا السوق الحُرّة، ختمنا جوازات السفر، أخذنا تاكسي إلى وسط بانكوك، كان المطر يهطل، والليل قد خَيّمَ، وأضواء بانكوك المُلوّنة كلها أضاءت، قالت لي ما رأيك؟.. قلت لها: الرّأيُ رأيك.. قالت : يعني شنو .. إبرة .. قلت لها : إبرة .. إبرة .

الشعالي الخراز ومكتبة الوحدة العربية

الشعالي الخراز ومكتبة الوحدة العربية

بقلم: عبد السلام الزغيبي

في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كان المناخ الثقافي متميزاً في مدينة بنغازي، بسبب إنتشارالمكتبات الحكومية أو العامة، والمكتبات المدرسية، وكان هناك المكتبة المتجولة في شوارع مدينة بنغازى بالكامل، تبيع الكتب بأسعار زهيدة جداً لتشجيع الناس على شراءها، والإقبال عليها كان منقطع النظير، وكانت هناك أيضاً مراكز ثقافية، مثل المعهد البريطاني، والمعهد الامريكي، والمركز الثقافي المصري، كانت هناك مكتبة الأندلس الشهيرة في منطقة البركة، ومكتبة  قورينا في شارع عمر المختار مقابل البريد، ومكتبة متخصصة في الكتب والمجلات الأجنبية بشارع مصراتة، ومكتبة وقرطاسية عوض زاقوب، وتبعتهم مكتبة  (دار الكتاب الليبي) لصاحبها حسن الخراز في  شارع العقيب.

كانت هناك المكتبة العامة، مقابل البريد الرئيسي، ومكتبة عامة أخرى بالقرب من مبنى الجوازات، ومكتبة عامة في منطقة البركة، ومكتبة المركز الثقافي المصري، حيث أتيح لأبناء جيلنا فرصة الإطلاع وإمكانية إستعارة الكتب من هذه المكتبات، وكان هناك أقدم المكتبات في بنغازي وهي (مكتبة بوقعيقيص) التي تأسست عام 1920 عن طريق الأخوين عمر ومحمد بوقعيقيص، وكان مقرها في ميدان الحدادة، وهو الميدان الذي يربط بين سوق الظلام وميدان البلدية غرباً، وسوق الجريد شرقاً، وأصبحت من العلامات البارزة في الميدان، وتعتبر من أوائل المكتبات في مدينة بنغازي، وتخصصت في بيع المجلات والصحف، وكانت أشبه بمركز ثقافي ومنتدى يقصده المثقفون للتزود بالمعرفة من الكتب والصحف والمجلات العربية.

وواصلت مكتبة بوقعيقيص مهمتها، وكانت تزود المناطق القريبة من بنغازي بحاجتها من المجلات والكتب، حتى أواخر الخمسينيات، حيث تراجع دورها وأهملت، وأصبحت تقتصر على بيع الأدوات القرطاسية فقط، وفي عام 1957 تنازل عنها آل بوقعيقيص للأخ/ علي فرج الخفيفي والذى كان يعمل بالمكتبة مع الأخوين بوقعيقيص، قام المرحوم علي الخفيفي بتغيير اسم المكتبة وأصبحت تعرف باسم "المكتبة الوطنية" وتوسعت المكتبة في أنشطتها، ودخلت مجال النشر والطبع والتوزيع، وإنحسر نشاطها في مجال بيع الصحف والمجلات، في تلك الأجواء ظهرت  للوجود مكتبة الوحدة العربية لصاحبها الشعالي الخراز في بنغازي، ولي مع هذه المكتبة قصة، أحب أن أرويها:

وأنا في العاشرة من عمري تقريباً، عملت في العطلات الصيفية أسوة بأقراني في مكتبة الوحدة العربية لصاحبها الشعالي الخراز، وهي تقع على بعد خمس شوارع من شارعنا العقيب، الطريق إلى هناك أمر بشارع عمر بن العاص وعلى يميني ويساري محلات تجارية بنشاطات مختلفة وأشجار مضللة على جانبي الطريق، وفي هذه المكتبة تعرفت على الشهيد ناجي بوحوية الذي عمل هو كذلك في المكتبة وكان يسكن في نفس الشارع (شارع سنيدل).

كان الشعالي الخراز رجلاً عصامياً مكافحاً عمل في البداية في قهوة محمد العاشق، ثم كموظف في المركز الثقافي المصري، ثم فتح المكتبة التي ساهمت دون شك في إثراء المعرفة، أسس الشعالي الخراز المكتبة في عام 1958، وهي ثاني أقدم مكتبة في بنغازي بعد مكتبة بوقعيقيص، بمساعدة شقيقه المرحوم حسن الخراز (الذي استقل بعد ذلك وفتح مكتبة دار الكتاب الليبي في شارع العقيب)، وألحقها بمجموعة من الأكشاك في أماكن متفرقة من مدينة بنغازي، وقد عملت في الكشك المقابل لسينما النهضة والكشك المقام  بميدان البلدية، وكان هناك كشك بجانب البريد الرئيسي بشارع عمر المختار، كان يدير المكتبة ذاك الوقت مفتاح حمزة وهو قريب لصاحب المكتبة، وكان يعاملني مثل أخوه الصغير نحضر له القهوة من قهوة، ونفطر مع بعض وعندما يغيب لأمر ما، أقوم مقامه حتى يرجع.

وإلى جانب بيع الجرائد والمجلات والكتب في المكتبة، كنت أقوم بمهمة أخرى وهي الذهاب إلى المجمع الحكومي حيث أحمل المجلات العربية لقسم رقابة المطبوعات لفحصها ثم إعادتها، كنا نبيع الصحف الليبية الصادرة في بنغازي مثل جريدة الحقيقة، التي شهدت رواجاً كبيراً خاصة مع بداية كتابة الصادق النيهوم مقالة أسبوعية فيها، إلى درجة أني شهدت عن قرب الطوابير التي كانت تقف منذ الساعة السادسة صباحاً من ناحية الباب الخلفي للمكتبة من شارع سنيدل من أجل الحصول على نسخة من  العدد الثقافـي الأسبوعي لجريدة الحقيقة، وكانت هناك جرائد، الزمان والعمل والرقيب وبرقة الجديدة (الأمة) والبشائر وريبورتاج، ومجلات ليبيا الحديثة والمرأة،  والكتب العربية من روايات وقصص وكتب في كافة المجالات والتي تأتي من القاهرة وبيروت، وكان هناك مخزن للكتب على بعد أمتار قصيرة من مكان المكتبة، أما المجلات فتأتي بالطائرة من مصر ولبنان وكان يقوم بهذه المهمة محمد التومي وهو اليد اليمنى لصاحب المكتبة، يذهب كل مرة للمطار لجلب المجلات مثل المصور وآخر ساعة وحواء والكواكب وصباح الخير وروز اليوسف، وميكي وسمير واللبنانية مثل الأسبوع العربي والحوادث والشبكة والصياد وسوبرمان والوطواط وكانت أسعار المجلات تتراوح مابين خمسة وعشرة قروش.

من حرصه على وصول المعرفة، أتذكر أثناء حرب أكتوبر عام 73، كان هناك حالة طوارئ في المطارات المصرية وتأخر وصول المطبوعات المصرية من مجلات وجرائد إلى بنغازي وكان الناس هنا في حاجة لمعرفة تفاصيل معركة العبور، أتذكر أن الشعالي الخراز قام بإحضار هذه المطبوعات من مصر عن طريق البر بالشاحنات التي وصلت إلى مقر المكتبة في شارع سنيدل.

وزع الشعالي نشاطه الثقافي إلى الفني وتملك عدد من السينمات بمدينة بنغازي، منها سينما الحمراء بمنطقة سيدي حسين وسينما النصر بالفندق البلدي، وسينما الفردوس بمنطقة المحيشي، وكنا نحن العاملين في المكتبة وأكشاك توزيع الصحف لنا الأحقية في الدخول مجاناً لهذه السينمات.

في مكتبة الشعالي الخراز، شهدت عن قرب  طوابير محترمة عرفها سكان هذه المدينة كانت من أجل شراء العدد الثقافـي الأسبوعي لجريدة الحقيقة، فكان القراء يقفون أمام مكتبة الوحدة العربية للأستاذ الشعالي الخراز بشارع عمرو بن العاص منذ السادسة صباحاً لاقتناء جريدة الحقيقة، لمتابعة كتابها المشهورين أمثال الصادق النيهوم وخليفة الفاخري ومحمد الشلطامي وأنيس السنفاز.

واستمر الشعالي الخراز في نشاطه المعرفي والفني حتى تم تأميم النشاط التجاري العام ومنه المكتبات والسينمات، وآلت ملكية مكتبة الوحدة العربية إلى إدارة الصحافة والنشر، والسينمات إلى إدارة الخيالة.

ليلة بنغازي الدامية

ليلة بنغازي الدامية

بقلم: د.جبريل العبيدي
بنغازي .. الحياة تقول كلمتها

بنغازي .. الحياة تقول كلمتها

بقلم: مصطفى عبدالهادي
بنغازي .. مدينة الغريب

بنغازي .. مدينة الغريب

بقلم: محمد زينوبة