هنا بنغازي
3.jpg

منذ فترة طويلة كنت أعتذر مراراً عن الدعوات التي تأتيني من داخل وخارج ليبيا للمشاركة في مهرجانات أو ندوات أو أمسيات، ولا علاقة للأمر بأي إحباط أو رغبة في العزلة، فأنا رغم كل المعاناة، لا أنكر نشوة داخلية بهذا الزلزال الذي تتعرض له المنطقة كلها وليبيا خصوصاً، فلا يمكن لبناء جديد أن يتم إلا بعد مرحلة من الهدم التي لا تخلو من العنف والأصوات المفزعة والركام وما يصاحبه من تهشم صامت وغير مرئي للكثير من المسلمات والبنى الثقافية والترسيمات القديمة، وإن كنا لا نسمع دويه، والتاريخ يخبرنا أن لكل رغبة في التغيير ثمن وألم يقاسيه الجيل الذي اختاره التاريخ، مصادفة أو قصداً، لأن يكون جسراً لهذا التحول.

لبيتُ قبل أيام دعوة من الشاعر خالد مطاوع لحضور إحتفالية توقيع كتاب شمس على نوافذ مغلقة (مختارات من أعمال الأدباء الليبيين الشباب) تحرير خالد المطاوع وليلي المغربي، منشورات مؤسسة أريتي للثقافة والفنون ـ دارف للنشر، ولأن إبنتي فيروز كانت إحدى المعنيين بالدعوة لمشاركتها في هذا الكتاب ذهبت بصحبتها، خصوصاً أنها والكثير من الشابات الحالمات مثلها يعشن سجناً داخل سجن داخل سجن، وكل يوم تشرق شمس جديدة على نوافذهن المغلقة.

صباحاً إنطلقت أنا وفيروز على صوت فيروز الرحباني، واضعين في حسابنا أن المسافة إلى بنغازي أصبحت تستغرق الخمس ساعات بعد أن كانت تستغرق ثلاث ساعات، وليس السبب انزياح بنغازي عن درنة ولا تأخراً في وسائل المواصلات، ولكن بسبب هذه المطبات الكثيرة التي اقترحها بعض الليبيين بمزاج خاص على الطريق العام وبشكل فوضوي، لتسهم في صعوبة التواصل التي أصبحنا نعاني منها أصلاً على كافة المستويات، ورغم أن بلدية المرج قامت بإزالة الكثير منها، إلا أننا مررنا بعمل جماعي وتطوعي لإنشاء مطبات جديدة يقترحها البعض كطريقة مبتكرة لتوقف السيارات إجبارياً أمام بضاعتهم المكدسة تحت الشمس، أو صاحب بيت على أطراف الطريق أراد أن يكون بيته على مفترق طرق رسمي يجب التوقف عنده.

تجاوزنا كل هذه المطبات ووصلنا بعد خمس ساعات إلى حي قاريونس مروراً بذاك الطريق الذي كان قبل عامين ونيف طوقاً مرعباً على بنغازي حين أراد لها سراق الثورة أن تعود إلى بيت طاعتهم، سيدي خليفة وسيدي فرج والهواري والقوارشة، حيث آثار الحرب الضروس مرسومة على كل الواجهات والمباني، شاهدة على مقاومة ملحمية لمخطط شيطاني كان يسعى لسيطرة الإرهاب وسدنته من العالم على بنغازي، كانت تقابلنا، طوال الطريق، صور شهداء فبراير وشهداء الكرامة جنباً إلى جنب، وعلى الجدران مازالت آثار الكتابات القديمة ضد الطاغية ونظامه ومن معه من طغاة، وقد تداخلت معها كتابات جديدة ضد الإرهاب تطالب بإسقاط نظام الإخوان ومن معهم من طغاة، وكأن الجدران سرد فصيح لمراحل التحول التي لابد منها بعد أي زلزال.

وصلنا إلى بيت نجيب الحصادي الذي أزوره للمرة الأولى بعد نزوحه منه لأكثر من سنتين، بينما أعمال الترميم وعودة الحياة إلى هذا الحي على أشدها، وكان حديثنا أثناء الغداء عن كل هذه الشجون، حيث كان قبل قليل ضمن ندوة حول فوبيا الإمتحانات تقيمها الجامعة الدولية الليبية للعلوم الطبية.

مساءً إنطلقنا إلى رواق وهبي البوري، المقامة به الإحتفالية، وكان اللقاء الحميم مع الكثير من الأصدقاء الذين لم ألتق بهم منذ سنوات، ومع عيون الشباب المتقدة حماساً وإصراراً، وكالعادة كان الشاعر الكبير خالد مطاوع يقوم بجهده الذهني والعضلي لإنجاح هذه الإحتفالية كما عرفته في المهرجان العالمي للشعر الذي أقيم بطرابلس العام 2012، شعلة من النشاط ومن الإصرار على إتقان كل التفاصيل، والأهم من ذلك طيفاً من التواضع النبيل، نلمسه حين نعرف أن هذا الرجل (العوال) عضو أكاديمية الشعر الأمريكي وفائز بأكبر الجوائز الأدبية في الولايات المتحدة، ومن أفضل مترجمي الشعر من العربية إلى الإنجليزية.

بدأ الشباب في إلقاء مشاركاتهم بين شعر وسرد، وكانت الثقة في النفس حاضرة والإبداع حاضرا، وكان الحرص على سلامة اللغة والإلقاء حاضرا، وكنت سعيداً جداً بهذا الجيل الذي يبزغ من قلب الظلام ليضيء الحلم كما ينبغي، وأنا أدرك أن أضواءً كثيرة تبرق في كل مكان وإن لم تواتها الفرصة لتكون ضمن هذا الكتاب الأول.

بعد هذه الإحتفالية جمعنا لقاء بالصديق محمد المفتي، وفي شرفة على سطح بيته إخترنا الجلسة، رفقة زاهي المغيربي ونجيب الحصادي وفتح الله بزيو، لنتأمل شارع دبي المكتظ بالسيارات والمتسوقين، وكانت الإطلالة تقول أن المدن العصية على الحزن والإحباط، كبنغازي وبيروت، لا يمكنها أن تهزم، والسبب هو هذا العشق الأسطوري للحياة ورفض كل ما يهددها، جلست صحبة نجيب الحصادي وزاهي المغيربي والصديق المناضل فتح الله بزيو، وكان الحديث كله شجناً ليبياً، كما تعودنا، خلفيته شارع أنيق يتحدث بطريقته.

صباح اليوم التالي كنت ضمن دائرة نقاش في الجامعة الليبية الدولية حول رؤية ليبيا 2030، وهناك إلتقيت بوجوه كثيرة لم ألتق بها يوماً إلا وهي تتحدث عن ليبيا ومستقبلها وتخطط بجدية وتنجز، مثلت لي هذا الندوة التفاؤل مجسداً وليس مجرد شعور، إنهم يخططون بدقة لكل التفاصيل وكأنهم يقولون أن ما يحدث الآن في ليبيا عابر لكن علينا أن نجهز أنفسنا وخططنا لما بعد هذا الزلزال حين لا يصح إلا الصحيح، وهذا هو شأن العقل المتفائل أو ما يسمى: تفاؤل الإرادة، إنتقلنا بعٍدها إلى مقر تجمع تاناروت للإبداع الليبي حيث كان الشبان المدعوون والمدعوات للإحتفالية في زيارة لهذا الفضاء الرائع الذي تقف خلفه قامات ثقافية لها رؤية حداثية مختلفة وجادة، مكان صغير وحميمي لكنه بحجم وطن وبحجم حلم إنساني.

في طريق العودة كنت أجتر كل ذلك، وأنا أتساءل، هل كانت حقاً بنغازي تشهد حرباً ضارية؟ وما سر هذه المدينة المعاندة والمصرة على الحياة رغم كل الألم؟ كانت الندوب على كل جدرانها ولكن لولا هذه الندوب لما أقيمت مثل هذه الفضاءات، ولا هذه الأنشطة، لأنها محرمة ومكفرة في عقيدة من كانوا يريدون السيطرة على بنغازي، أو من مازالوا يسعون للتشويش على بهجتها بثقافة التجهم والوصاية.

في طريق العودة وجدنا المطب الطازج الذي كان تحت الإنجاز مكتملاً، مزهواً بإرتفاعه وبتصميمه العشوائي الخشن، وبقربه زحام عربات وبقايا معدات البناء، فقلت لفيروز يبدو أن ثمة إحتفالية بإفتتاح هذا المطب الجديد الذي رفع السيارة وحطها، غير أن نشوة ما عشته في بنغازي حولت هذا المطب بالنسبة لي إلى طرفة مثل كل الطرف والمطبات السياسية التي تحدث الآن ومؤقتاً في وطننا، كل هذا الزبد سيختفي ولن يبقى في الذاكرة سوى هذه الفضاءات الإبداعية وورش التخطيط العلمي لمستقبل ليبيا، وأولئك الشبان من الجيش الوطني والأجهزة الأمنية الذين يقفون في البوابات الحارسة تحت شمس محرقة، يبتسمون للعابرين أكثر مما كان يبتسم موظفو الإستقبال في فندق جليانا الذي أقام فيه ضيوف الاحتفالية.

سالم العوكلي

القائمة البريدية

سجل الآن في القائمة البريدية للحصول على جديد الموقع عبر بريدك الإلكتروني