هنا بنغازي
26.jpg

في منزل الجد إسماعيل العنيزي الكائن بشارع بوخمسين في حي (اخريبيش)، ولد القاص والكاتب أحمد محمد العنيزي عام 1929 وهو نفس المنزل الذي ولد فيه والده محمد العنيزي أيضاً، ترعرع أحمد العنيزي في بيئة شعبية مثل غيره من أبناء جيله الذين تفتحت عيونهم على حياة مليئة بالفقر والبؤس، وعاشوا طفولتهم وصباهم في شوارع المدينة القديمة.
إلتحق أحمد العنيزي وعمره 10 سنوات للدراسة بمدرسة الأمير الابتدائية (وهي مدرسة المجاهد حالياً)، وقد أطلق عليها اسم مدرسة الأمير في العهد الإيطالي نسبة إلى ولي عهد إيطاليا في ذلك الوقت.
درس أحمد العنيزي لمدة 3 سنوات وأثناء انتقاله إلى السنة الدراسية الرابعة أغلقت المدرسة أبوابها بسبب اشتعال الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء والمحور، وانتقلت أسرة العنيزي من شارع (بوخمسين) إلى منطقة (سوق احداش) تفادياً للغارات الجوية التي كانت تقوم بها القوات البريطانية على الأهداف الحيوية وسط المدينة، وقد أصيب منزل العائلة في شارع (بوخمسين) بقذيفة أثناء إحدى الغارات فتهدم سقفه ولم يكن به أحد، وبعد أن انتهت الحرب عاد أفراد العائلة إلى منزلهم الذي كان مهدماً وأقاموا به (براكة) صغيرة للسكن فيها.
عاش أحمد العنيزي طفولة صعبة واضطرته الظروف الإجتماعية للعمل سعياً وراء لقمة العيش إذ وجد نفسه مسؤلاً عن أسرته المكونة من والدته وأخوين وأختين بعد أن توفي والده إثر مرض لم يمهله طويلاً، وتنقل من خلال خدمته كعامل من مكان لآخر ساعياً وراء كسب قوته اليومي مما اضطره للعمل في رصف الطرق والنظافة وفي ورشة نجارة وعامل في الميناء وفي المطار وغيرها من المهن الأخرى. وفي عام 1946 التحق للعمل بالورش التابعة لإدارة الأشغال العامة (الجينو)، وهي مجموعة ورش تم افتتاحها في عهد الإدارة العسكرية البريطانية في منطقة (راس عبيدة) وكان الغرض منها تأهيل الأفراد والإستفادة منهم للعمل في حرف الزواق والميكانيكا والسمكرة والنجارة واللحام والكهرباء والخراطة.
وقد عمل أحمد العنيزي في ورشة الزواق خطاطاً فكان يقوم بأعمال الطلاء وكتابة اللافتات وذلك في أثناء أعمال الصيانة التي تتم في المرافق الحكومية والإدارات، وفي نفس العام التحق لدراسة اللغة الإنجليزية في دورة مسائية أقامتها رابطة الشباب الليبي آنذاك وكان مقرها في عمارة التأمين، وقد أسس الرابطة مجموعة من شباب المدينة ومنهم منير البعباع ورجب النيهوم وأحمد الفلفال ويوسف زيو.
درس أحمد العنيزي اللغة الإنجليزية لمدة 6 أشهر على يدي الأستاذ محمد الربيعي، ليتمكن فيما بعد من التحدث والكتابة باللغة الإنجليزية بمواصلة اجتهاده ومثابرته حتى استطاع أن يترجم البعض من القصص العالمية وينقلها من الإنجليزية إلى العربية، وفي عام 1950 تلقى الدراسة بمدرسة العمال الليلية لمدة عامين وكان الأستاذ محمد التونسي أحد الذين قاموا بتدريسه.
وأثناء عمله في ورش الأشغال العامة بدأ أحمد العنيزي يمارس نشاطه النقابي عام 1950 حيث أسس بالتعاون مع عدد من زملائه نقابة النجارين والزواقين التي كان أميناً لها، وكانوا يجتمعون في مقر نقابات العمال (كان في شارع عمرو بن العاص فوق مقهى دمشق)، مع نقيب الميكانيكيين إبراهيم سالم بن عامر، وانفصلت بعد ذلك نقابة الزواقين واستأجر أعضاؤها مقراً لهم في شارع (العقيب)، ثم انضموا فيما بعد إلى نقابة البحارة التي كان يرأسها رجب النيهوم.
وفي عام 1954 أسس أحمد العنيزي في صحيفة الزمان ركن العمال وبدأ بكتابة المقالات التي تناول فيها قضايا العمال ومشاكلهم حتى تم إيقافه من قبل السلطات المسؤولة في ولاية برقة، وفي عام 1956 عمل موظفاً بمحكمة الإستئناف لولاية برقة ولمدة 3 سنوات انتقل بعدها عام 1959 للعمل موظفاً في الجامعة الليبية حيث أمضى بها 14 عاماً، لينتقل إلى وزارة التعليم عام 1973 موظفاً لمدة 16 عاماً.
بدأت علاقة أحمد العنيزي بالأدب والثقافة من خلال إطلاعه المكثف على الصحف والمجلات والكتب التي كان يقتنيها من مكتبة بوقعيقيص في ميدان (الحدادة)، وكان يطالع المجلات الأدبية مثل مجلة الآداب التي كان يرأس تحريرها سهيل ادريس، وكان أحمد العنيزي في عام 1955 يبعث بقيمة اشتراكاته إلى هذه المجلة فتصله أعدادها بانتظام.
إطلع أحمد العنيزي على الروايات العالمية لأبرز الكتاب العالميين مثل هيمنجواي وجيمس جويس وسومرست موم وتشيخوف وجان دي موباسان، وقرأ للعديد من الكتاب العرب مثل نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومحمود عبدالحليم عبدالله وسعد مكاوي وعبدالحميد جودة السحار وابراهيم المازني وغيرهم.
ومن خلال اطلاعه إكتسب ثقافة واسعة وامتلك أدوات الكتابة إضافة إلى موهبته، وقد نشر في عام 1951 أول مقالة كتبها في مجلة فن المصرية، ثم بدأ بكتابة القصة القصيرة حيث نشر عام 1953 أول قصة له بعنوان (الشمعة الذائبة) في صحيفة طرابلس الغرب، واستمر أحمد العنيزي في نشر نتاجه الأدبي الذي تنوع بين القصة القصيرة والمقالة وكان من رواد القصة الليبية القصيرة الذين أحدثوا نقلة فيها حسب معطيات ذلك الوقت الذي ساد فيه مذهب الواقعية، ونشر نتاجه في كل من: صحيفة طرابلس الغرب ــ صحيفة برقة الجديدة ــ صحيفة الزمان ــ صحيفة العمل ــ صحيفة الرقيب ــ مجلة إذاعة طرابلس الغرب ــ مجلة الضياء ــ مجلة النور ــ مجلة الرواد.
وبمثابرته المستمرة أتقن اللغتين الإيطالية والإنجليزية واستطاع أن ينقل بعض القصص العالمية من الإيطالية والإنجليزية إلى اللغة العربية، وقد نشرالبعض منها أخيراً في مجلة الثقافة العربية، وقد أضاف الإستماع للإذاعة المسموعة إلى ثقافته جانباً سياسياً، فهو متابع جيد لأخبار العالم وأخبار الوطن العربي بصفة خاصة، فكان يتابع يومياً برامج وأخبار إذاعة لندن وتحليلاتها السياسية ويراسل برنامج بين السائل والمجيب، وكان يتابع أخبار المد القومي العربي معجباً بأفكار الزعيم عبد الناصر، متطلعاً إلى خلاص الأمة على يديه، لكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة بعد نكسة عام 1967.
ارتبط أحمد العنيزي بعلاقات صداقة ومودة مع الكثيرين من أبناء جيله وخاصة من الطبقة المثقفة، وكانت له مراسلات مع القاص كامل المقهور والشاعر علي الرقيعي، حيث كان الإثنان يبعثان إليه بالرسائل من مدينة طرابلس، وفي عام 1968 سافر برفقة القاص كامل المقهور والكاتب الصادق النيهوم والقاص بشير الهاشمي إلى تونس لحضور ملتقى القاصين المغاربة الذي حضره العديد من كتاب القصة القصيرة من تونس والجزائر والمغرب، وفي ذات العام حضر الملتقى الأول للكتاب والأدباء الليبيين الذي عقد في طرابلس بتاريخ 1968.09.11 ليتوقف بعدها عن الكتابة والنشر.
وفي عام 2005 صدرت له أول مجموعة قصصية بعنوان (حديث المدينة) بعد أن تم جمع إنتاجه القصصي من الصحف والمجلات الصادرة في الخمسينيات من القرن الماضي، إضافة إلى القصص الأخرى التي كتبها ولم ينشرها، حيث صدرت عام 2008 في مجموعة أخرى بعنوان (المدينة المفتوحة)، فارقت روح الكاتب أحمد العنيزي جسده الطاهر يوم الإثنين الموافق 2009.07.20.

المصدر:
خالد المهير

القائمة البريدية

سجل الآن في القائمة البريدية للحصول على جديد الموقع عبر بريدك الإلكتروني